جوز امي

حكايات مالك السفير

وتذكرت فجأة شيئًا لم أفهم معناه طوال حياتي.

كان فؤاد يجلس بجواري على الأرض.

وكنت قد سألته:

هل سترحل أنت أيضًا؟

قالت نوال:

عاد فؤاد قبل .

 

ثم أضافت:

أفرغ حقيبته من السيارة ووضع المفاتيح جانبًا، ثم جلس تحت الطاولة معكِ.

توقفت أنفاسي.

كنت أتذكر تلك اللحظة.

أتذكر يده.

أتذكر إصبعه الصغير حين مدّه نحوي.

وتذكرت صوته:

أنا باقٍ.

بكيت.

ليس لأنني اكتشفت أنه كاد يرحل.

بل لأنني فهمت أخيرًا كم كان عليه أن يحارب نفسه حتى يبقى.

قالت نوال:

لم يخبرك لأنه لم يرد أن تكبري وأنت تشعرين بأن وجودك كان عبئًا عليه.

رفعت عيني إليها.

كان يريدك أن تعرفي شيئًا واحدًا فقط.

ماذا؟

قالت:

أنه اختارك.

القائمة

المحتوي

بحث عن

قبل رحيله بساعات

 

انهمرت دموعي.

لكنه لم يخترني في البداية.

لا أحد يعرف كيف يبدأ الحب، يا سلمى. لكنه عرف كيف يختارك كل يوم بعد ذلك.

سكتُّ طويلًا.

ثم نظرت إلى الصورة القديمة مرة أخرى.

مريم.

طفلته الأولى.

الفتاة التي ظننت للحظات أنها سرقَت مني شيئًا.

لكنها لم تفعل.

فؤاد لم يحبني أقل لأنه أحبها.

بل ربما أحبني بهذه القوة لأنه عرف من قبل كيف يمكن للحب أن ينتهي بالفقد.

مدت نوال يدها إلى الصندوق وأخرجت صورة أخرى.

كانت لي وأنا طفلة صغيرة، أجلس إلى جوار فؤاد في المطبخ وأرفع فطيرة تفاح محترقة من أحد أطرافها.

ضحكت وسط دموعي.

كنت أكره حين أطرافها.

قالت نوال:

وكان يقول إنك تأكلينها مهما كانت سيئة.

 

ابتسمت.

كنت أقول له دائمًا إنني لا أملك خيارًا، لأن البديل كان عصيدته.

ضحكت نوال وضحكت معها.

وللمرة الأولى منذ بدأت هذه الليلة، شعرت أنني أتنفس.

ثم نظرت إلى الساعة.

وتجمدت.

المستشفى.

نهضت فورًا.

كنت قد تركت فؤاد هناك.

وركضت نحو الباب.

قالت نوال:

خذي هذا.

التفتُّ.

كانت تمد إليّ قالب النجمة.

فؤاد أراد أن يكون معك.

أخذته بيدين مرتجفتين.

وضممته إلى صدري.

ثم اندفعت إلى سيارتي.

طوال الطريق، لم أفكر إلا في شيء واحد.

كنت أريد أن أخبره أنني فهمت.

أنني لم أعد غاضبة.

وأن سره لم يجعلني أراه بصورة مختلفة.

بل جعلني أراه للمرة الأولى كاملًا.

الرجل الذي فقد ابنته.

الرجل الذي خاف أن يحب من جديد.

والرجل الذي، رغم كل خوفه، عاد إلى طفلة صغيرة تنتظره تحت طاولة المطبخ.

وعندما وصلت إلى المستشفى، كانت الممرضة تنتظرني عند باب غرفته.

نظرت إلى وجهها.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *