—أيوه. الحاج مصطفى غمض عينيه. —من اسبوع سألني لو كنت غيرتها. وكان عاوز يعرف الشقة تسوى كام وأسهم الشركة متقسمة إزاي. ترجيته ما ياخدش قرار وهو زعلان. —لو سامح ما بقاش بيحبني، دي مشكلتنا إحنا. مش عاوزة حضرتك تغير وصيتك بسببي. الحاج مصطفى خبط على الترابيزة بالراحة. —أنا مش هغيرها عشان خانك. أنا هغيرها عشان وأنا لسه بتنفس، ابني قاعد بيوزع حاجتي. بعدها بيومين راح للدكتور. وبعدها، ومعاه المحامية بتاعته بس، راح للماذون والموثق. أنا ما عرفتش هو عمل إيه غير الليلة دي. الحاج مصطفى حط ظرف قدامي. —خلاص اتوقعت. —عملت إيه يا حاج؟ —النسبة اللي بتمسك الشركة هتبقى باسمك. وجزء تاني لفريدة وعمر. والشقة والمبالغ اللي في البنك هتبقى متحامية ليكم. اتسمرت مكاني. —لا. اكتب كل حاجة باسم الولاد. —سِنّهم صغير. لازم حد يصون حقوقهم. —سامح هيقول إني ضحكت عليك. الحاج مصطفى بص لي بثبات: —يبقى يقول كده وهو بيثبت ليه راجل مريض ما كانش من حقه يقرر يعمل إيه في تعب أربعين سنة. كنت فاكرة إن أصعب حاجة عدت خلاص. ما كنتش أعرَف إن بعد ثلاث ليالي، سامح هيرجع من بيت عشيقته، يتقابل بشناط هدومه جنب الباب… ويقول قدام أبوه الجملة اللي هتنهي كل حاجة للمرة الأخيرة. الفجر ده سامح رجع الساعة أربعة ونص. كنت جهزت شنطته وطلبت من الحاج مصطفى يكون واقف. ما كنتش عاوزة أتناقش في تسجيل ولا أحكي روايات مختلفة بعدين. سامح دخل وريحته كحول وريحة ريحة برفان مش بتاعي. شاف الشنطة. وبعدها شافني. ولدهشتي، ابتسم. “يعني خلاص عرفتي موضوع جيهان؟” حتى ما حاولش ينكر. “وفرتي عليا كلام مالوش لازمة”، كمل كلامه: “بصراحة لقيت واحدة بتسعدني أكتر.” “يبقى تاخد حاجتك وتمشي.” سامح هز كتافه. “الشقة بتاعتك. خليكي هنا مع العيال. أنا مش هحمل هم.” “ليه؟” وشّه اتغير. “عشان بعد كم شهر هبقى في وضع أحسن من أي وقت فات.” “بعد كم شهر؟” وقتها قالها. “أبويا خلاص مش هيطول. لما يروح، الشركة هتبقى ملكي. والشقة وحساباته كمان. فما تقلقيش عليا.” باب الصالة اتفتح. الحاج مصطفى ظهر وهو ساند على الباب. “مش كل حاجة هتبقى ملكك يا سامح.” جوزي وشّه اصفر. “بابا؟” “أنا لسه سامع بأذني إزاي مستني موتي.” سامح شاور عليا: “هي اللي ملت دماغك!” “إنت اللي مليت وداني.” الحاج مصطفى طلع صور من أوراق. “أنا غيرت وصيتي.” سامح قراهم وهو واقف. قلب ورقة. وبعدها ورقة تانية. “إيه ده؟” “دي وصيتي.” “الشركة كتبتها لإنجي؟!” “النسبة الحاكمة.” “وأنا؟” الحاج مصطفى بَصّ في عينيه بثبات: “ولا حاجة.” عمر ما هنسى السكوت اللي جه بعد كده. سامح كان كأنه مش عارف يتنفس. “أنا ابنك الوحيد.” “بالظبط، وعشان كده بتكسف أكتر وأنا سامعك بتعد الأيام اللي فاضلة لي.” سامح بدأ يزعق إني استغليت مرض أبوه، وإني تعديت على خصوصيته، وإني عاوزة أسرق منه اللي يحق له. وقتها فريدة ظهرت في الطرقات. “هو بابا ماشى؟” كلنا سكتنا. بنتي بصت للشنطة. “عشان كده ما بقتش تقعد معانا خالص؟” سامح ما عرفش يرد. الحاج مصطفى قال بصوت واطي: “بص كويس يا ابني. اللي هناك دول هما عيلتك. مش الأسهم بتاعتي.” سامح مسك الشنطة ومشي. افتكرت إنه هيروح على طول لجيهان. وده اللي حصل. بس الاستقبال ما كانش زي ما كان متوقع. لما حكى لها إن اسمه اتشال من الوصية، سألت على طول: “ما تقدرش تطعن فيها؟” “بابا لسه عايش.” “بس تعبان. تقدر تقول إن إنجي ضحكت عليه.” سامح بص لها وهو مستغرب. وبعدها قال لها إنه محتاج يقعد كام يوم في شقتها. جيهان رفضت. “إنت وعدتني بحياة تانية. مش إننا نعيش مع بعض في شقة أوضة وصالة وانت قاعد تتخانق مع مراتك وأبوك والمحامين.” في نفس اليوم بعد الظهر انتهت قصة الحب الكبيرة اللي دمر عشانها بيتنا. سامح انتهى بيه ا المطاف في فندق. أنا بدأت إجراءات الطلاق. هو طلب وقت عشان “نتصالح”، بس بيني وبينه عرض عليا صفقة. “تنازلي عن اللي بابا سابهولك وأنا مش هحاربك على الشقة.” ضحكت. “الشقة دي وارتها عن خالتي قبل ما نتجوز. ما تقدرش تستخدمها كارت ضغط.” وقتها بدأت حرب تانية. سامح كان بيلف على المحامين. يسأل فريدة بنروح بيت جدها كام مرة. عاوز يعرف الحاج مصطفى بياخد أدوية إيه، ومين بيبقى معاه، وأوراق إيه بيمضي عليها. وفي الوقت ده، حالة أبوه كانت بتسوق. أنا بدأت أساعده في الأدوية والمواعيد والأكل. مش عشان مستنية ورث، بس عشان الراجل ده كان عيلتي على مدار ستة عشر سنة. في يوم بعد الظهر لقيت الحاج مصطفى واقع جنب المطبخ. طلبت الإسعاف. سامح ما ردش على ثلاث مكالمات مني. وصل المستشفى تاني يوم. ما سألش الأول عن الحالة. سأل: “هو مضى على حاجة وهو هنا؟” دي كانت أول مرة أشوف الحاج مصطفى بيعيط. مش قدام ابنه. بعد ما مشي. “أنا كان لسه عندي أمل أكون ظالمه”، اعترف لي. بعد ثلاث شهور، الدكاترة قالوا لنا إن خلاص ما فيش علاج يقدر يوقف المرض. سامح جه الليلة دي. قعد جنب أبوه. “بابا، نقدر نصلح كل حاجة.” “مع عيالك تقدي تتصلح”، رد الحاج مصطفى: “معايا أنا خلاص ما بقاش ينفع.” “أنا بحبك.” “بس أحببت أكتر اللي كنت بتاخده مني.” التاني يوم الصبح، الحاج مصطفى اتوفى. وقت الجنازة سامح فضّل ساكت. افتكرت إنه أخيراً فهم. كنت غلطانة. أول ما قرايبنا مشوا، قرب مني وأنا لسه واقفة جنب القبر. “ما تفتكريش إن الشركة بقت بتاعتك.” بصيت له. “إنت بتقول إيه؟” “أنا هطعن في الوصية. وهثبت إنك ضحكتِ على بابا.” بصيت للورد الجديد اللي على التراب. أبوه ما كملش ساعة مدفون. وسامح كان بدأ الحرب اللي الحاج مصطفى جهز نفسه ليها حتى وهو ميت. بس ما حدش فينا كان يعرف إن الموثق كان شايل دليل واحد يقدر يقلب كل حاجة رأساً على عقب. الجزء الثالث والأخير وقف سامح قدام القبر وهو فاكر إنه ماسك كل الخيوط في إيده، لكن الموقف كان بعيد تماماً عن حُسباناته. بعد الجنازة بيومين، اتجمعنا كلنا في مكتب الموثق والأستاذة جهاد، محامية الحاج مصطفى الله يرحمه. سامح دخل المكتب وبص لي بنظرة تحدي، وكان معاه المحامي بتاعه وهو متأكد إن قضية بطلان الوصية مضمونة بحجة “عدم الأهلية والتأثير العاطفي”. المحامي بتاع سامح بدأ الكلام بكل ثقة: رجع من عندها الفجر — موكلي هو الوريث الشرعي والوحيد، وإحنا بنطالب بوقف تنفيذ الوصية لأن الحاج مصطفى كان غير قادر على اتخاذ قرار بسبب مرضه، وتم استغلال ظروفه الصحية من قبل الزوجة. الموثق ابتسم ابتسامة هادية جداً، وطلع فلاب أزرق تقيل من الدرج. — يا أستاذ، الحاج مصطفى كان عارف كويس جداً إن ده اللي هيحصل.. وعشان كده عمل حساب كل خطوة. فتح الموثق اللاب توب وشغّل فيديو مسجل. ظهر الحاج مصطفى في الفيديو، قاعد بكامل وعيه وثباته قبل وفاته بشهرين، وجنبه الموثق والدكتور المتابع لحالته. اتكلم الحاج مصطفى بوضوح وصوت ثابت: ”أنا مصطفى مراد، بكامل قوايا العقلية والجسدية، وبشهادة مكتوبة من أطبائي المباشرين لصحتي العقلية، بأكد إن الوصية دي برغبتي الخالصة دون أي ضغط من أي حد. إنجي مراد صانت بيتي وعيالي وتعبت معايا، أما ابني سامح فكان مستني موتي وبيوزع ممتلكاتي وهو فاكر إني مش حاسس. المبالغ والأسهم المكتوبة لإنجي ولأحفادي هي لحمايتهم من طمع ابني، وحرمانه من الإدارة هو لحماية الشركة وتعب أربعين سنة من الضياع.” ولم يكتفِ الموثق بالفيديو، بل طلع كشف حساب بنكي وتفريغ محادثات رسمية اتسجلت بعلم النيابة والمحامي العام. اتكشف إن سامح كان بيحاول يسحب مبالغ مالية من حسابات الشركة ويحولها لحسابه الخاص قبل وفاة أبوه بأسابيع! المحامي بتاع سامح بص له وهو مصدوم، وما قدرش ينطق كلمة واحدة. القضية اترفضت قبل ما تبدأ، والمحكمة أيدت الوصية بالكامل بناءً على الأدلة والتوثيق بالفيديو والتقرير الطبي. النهاية: سامح اتجرد من كل سلطة في الشركة، وبقى مجرد مساهم بأقل نسبة ممكنة مالهاش أي حق في الإدارة. جيهان سابته نهائياً وأختفت من حياته أول ما تأكدت إن ما فيش فلوس ولا شقق. أنا استلمت إدارة الشركة بمهارة بمساعدة فريق عمل الحاج مصطفى، ورفعت قضية طلاق للضرر وكسبتها، وحافظت على شقتي وحقوق أولادي فريدة وعمر. سامح حاول يرجع ويتأسف بعد ما خسر كل حاجة — الشغل، والفلوس، والعشيقة، والعيلة — لكن الباب كان اتقفل للأبد. مرت الأيام، وفريدة وعمر كبروا وهما عارفين إن جدهم ساب لهم أمان وحماية، وإن الحق دايماً بيرجع لأصحابه. تمت