اخذتني بنتي على دار المسنين

حكايات مالك السفير

 

قصة أم أخذتها ابنتها إلى دار للمسنين

 

أمسية عن قيمة الذاكرة تحدثنا فيها عن الذين غادرونا وعن الذين بقوا في الصور والروائح والموسيقى.

وحين انتهت الأمسية جاء أحد النزلاء وقال لي

لقد جعلتنا نؤمن أن الشيخوخة ليست نهاية بل بداية أخرى.

ابتسمت لأن ذلك ما كنت أحتاج أن أسمعه أنا أيضا.

وفي إحدى الليالي حين كان المطر ينقر على النوافذ كما لو كان يذكرني بالوقت شعرت بتعب غريب.

جلست على كرسيي الخشبي أغلقت الكتاب الذي كنت أقرأه ورفعت نظري نحو صورة زوجي المعلقة أمامي.

كان يبتسم بنفس الهدوء القديم كما لو كان ينتظرني.

قلت له بهمس لقد أوفيت بوعدي يا كارلوس جعلت المكان حيا كما حلمنا. لكنه يا حبيبي أصبح بيتي وحدي الآن.

ثم كتبت رسالة قصيرة بخطي المرتجف ووضعتها في درج مكتبي

إلى من سيجد هذه الرسالة

لا تحزنوا لأجلي.

لقد عشت عمرا طويلا تعلمت فيه أن القوة لا تعني الصراخ بل الصمت الذي يختار كرامته.

أخبروا ابنتي أني أحببتها حتى في صمتي وأنني سامحتها منذ اليوم الأول فقط كنت أتمنى أن تنظر إلي بعين الابنة لا بعين الممرضة.

الحياة علمتني أن الحب لا يرحل لكنه يتغير شكله.

ربما لن نلتقي مرة أخرى لكنني أرجو أن تذكرني بابتسامة لا بندم.

أمك إلينا.

في الصباح وجدوني على الكرسي نفسه مائلة الرأس قليلا والكتاب مفتوح على صفحة عن السكينة.

كانت ملامحي هادئة كمن نام على وعد تحقق.

حين وصل توم جلس بجانبي طويلا. لم يبك.

قال بصوت خافت جدتي كانت تقول دائما إن الروح تشبه الفراشة لا تحب القيود.

ثم أخذ الرسمة القديمة ووضعها بجانب يدي.

وفي المساء اجتمع كل من في الدار في الحديقة نفسها التي أحببتها.

أضاؤوا الشموع بين الزهور وغنت إحدى السيدات أغنية قديمة كانت إلينا ترددها في الصباحات.

قال المدير بصوت متهدج

لم تكن نزيلتنا كانت نبض هذا المكان.

 

ومنذ ذلك اليوم لم يذكر اسم دار المسنين في اللافتة بعد الآن.

صار الاسم الجديد محفورا على البوابة البيضاء

بيت إلينا.

ذلك البيت الذي بدأ كمنفى وانتهى كرمز للكرامة والحياة.

ليست المآسي دائما حين يرحل من نحب بل حين يظنون أننا انتهينا.

كثيرون يضعون والديهم في أماكن يسمونها دور رعاية وهم في الحقيقة يودعونهم في زوايا النسيان.

الأم لا تحتاج سريرا نظيفا أو طعاما فاخرا تحتاج فقط يدا تمسك بيدها حين ترتجف وصوتا يقول لها اشتقنا لك من القلب.

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *