حكايه امي

الليل جه، والمستشفى بقت زي المقبرة. النور العالي طفى، وفاضل بس النور الصفيح بتاع الممرات. المدير والأطباء مشيوا، ومفاضلش غير أطقم التمريض اللي بتنام على الكراسي.

أنا ما مشيتش. استخبيت في الحمام لحد ما الهدوء حل، وطلعت أتسلل على صوابع رجليا لحد أوضة

حكايه امي

 

 

كانت نايمة، أو بمعنى أصح غايبة عن الوعي من أثر الأدوية.

قعدت جنبها على الأرض، مسكت إيدها المكمشة اللي فيها آثار الكانولا، وبستها.

سامحيني يا أمي… أنا السبب. أنا اللي تمنيت يرجع… كنت فاكرة إنه هيكون السند، طلع السكين اللي طعننا في ظهرنا. بس والله ما هخليه يكمل… والله ما هسيبه يقتلك حتة حتة.

فتحت شنطتي، وطلعت منها ملف قديم… ملف أنا كنت محتفظة بيه بقالي سنين. الملف ده كان فيه صور قديمة لأمي وهي صبية، ورسائل كانت كاتباها لأبوها بتترجاه فيها يرجعلك ابنها، وشهادة طبية قديمة من أول مستشفى دخلتها لما اتجننت، مكتوب فيها نصاً المريضة تعاني من صدمة نفسية حادة ونوبة ذهان إثر فقدان طفلها الرضيع قسراً.

وكان فيه حاجة تانية… حاجة الجدة الله يرحمها أدتهالي قبل ما تموت. ورقة صغيرة، بقط حبر دبلان، كتبها عم علي بنفسه لجدته زمان لما كان مسافر، بيكتبلها فيها الولد معايا، وكل ما يكبر هفهمه إن أمه رمته عشان يفضل يكرهها وما يفكرش يرجع يطالب ببيت أبوه ولا أرضه… الورث بقى بتاعنا خلاص والبت دي مش هتشوف منه مليم ولا هتشوف ابنها تاني.

الجدة كانت خايفة تطلع الورقة دي وأخوها حارس، بس أدتهالي وأنا صغيرة وقالتلي لو الزمان دار واقتبلتم… وريها لعلي.

أخدت الملف في إيدي، ومشي بخطوات تقيلة في الممرات لحد ما وصلت لأوضة الأطباء المقيمين. النور كان شغال تحت الباب.

فتحت الباب من غير ما أخبط.

علي كان قاعد على المكتب، قالع الجاكيت الأبيض، حاطط راسه بين إيديه، ومسكات شاي دافية جنب منه. كان شكله تعبان… الملامح الشديدة القاسية كانت مطفية شوية في العتمة، وكان باين عليه إنه مش مرتاح.

رفع راسه لما سمع الباب، وعينيه اتملت غضب أول ما شافني

أنت لسه هنا؟! أنا مش أمرت إن المواعيد تخلص والأقارب يمشوا؟ إزاي الأمن سابك؟

ما ردتش عليه بكلام. مشيت بهدوء، وحطيت الملف القديم على المكتب قدامه… حطيته بفرقعة هزت الفنجان.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *