كنت بخدم

— «سيدي المحترم… أعتذر عن هذا الإزعاج، وأرجو أن تتمتع بعشائك في مطعمنا، رغم أن شريكك في العمل يعتقد أن الخدمة هنا أقل من مستواه الرفيع.»
المستثمر السويسري فتح عينيه على وسعهما، ووقف من على الطاولة مذهولاً! نظر إلى طارق وقال بالإنجليزيّة المتقنة:
— «طارق! هل هذه الفتاة تعمل جرسونة هنا فقط؟! إنها تتحدث أربع لغات في دقيقة واحدة وبطلاقة مذهلة! كيف تملك هذه الكوادر الكبيرة في بلدك وتتحدث عنها بتلك الحقارة؟!»
تمتم طارق وهو يحاول العثور على أي كلمة يدافع بها عن موقفه:
— «فولكر… انتظر، الموضوع ليس كما تظن… هي مجرد…»
لكن سارة لم تمنحه فرصة لإكمال تبريراته الفارغة.
خلعت المريلة البيضاء ببطء وأناقة، وفكت شريطها من حول خصرها، ثم طوتها بانتظام ووضعتها على حرف الطاولة أمامه.
قالت بالعربية هذه المرة بصوت واثق سمعته المشرِفة التي كانت تقف بالقرب من الترابيزة:
— «أنا كده أديت الشيفت بتاعي… واستقالتي مكتوبة وموجودة من بكره.»
التفتت سارة ومشيت بخطوات ثابتة نحو غرفة الاستراحة الخاصة بالعمال في الخلف. كانت قدمها تؤلمانها، لكن روحها كانت تطير في السماء. لم تبكِ، ولم تسمح لدمعة واحدة أن تسقط من عينيها كما كانت تفعل في بداية الأزمة.
في غرفة العمال بالخلف…
كانت الشنطة القماشية القديمة لسارة ملقاة على الكرسي. فتحتها لترتدي معطفها وتستعد للمغادرة.
وأثناء بحثها عن مفاتيح الشقة في قاع الشنطة، وقعت يدها على الظرف الأصفر الكبير المظروف بختم كلاسيكي أحمر.
أخرجت الظرف.
كانت قد تسلمته في الصباح الباكر من البوستة، ولم تسعفها الساعات الماضية لفتحه وقراءته بتمعن بسبب ضغط العمل.
كان الظرف يحمل إشعاراً رسمياً صاعقاً من أحد المكاتب الاستشارية الكبرى في ألمانيا وفرعها في القاهرة!
فتحت سارة الظرف بطلب من أختها الصغيرة التي اتصلت بها في تلك اللحظة:
— «سلمى؟ أيوة يا حبيبتي… أنا خصلت الشيفت وطالعة.»
قالت أختها بصوت مرتعش عبر الهاتف:
— «سارة! الظرف اللي جه الصبح… أنتِ فتحتيه؟!»
— «أنا لسه فتحاه حالا يا ندى… فيه إيه؟»
ردت ندى وهي تبكي من الفرحة:
— «سارة! المحامي بتاع الفندق الدولي القديم اتصل بالبيت! بيقول إن الإدارة الألمانية للشركة اللي كانت مالكة للفندق لما أفلست وعملت إعادة هيكلة، اكتشفوا إن فيه مكافأة ونسبة أرباح واستحقاقات قديمة مسجلة باسمك ومحفورة في بند “الابتكار وتطوير الخدمات” لأنك كنتِ واضعة نظام ترجمة وخدمة عملاء ذاتي بالذكاء الاصطناعي وبمجهودك الشخصي قبل ما الفندق يقفل!»
