كنت بخدم

توقفت سارة عن التنفس.

كملت ندى وهي تقرأ لها نص البرقية:

— «العقد اللي في الظرف ده يا سارة… هو عقد تسوية واستحقاق حصة ملكية وفكريّة مشفوعة بتحويل مالي فوري بقيمة مليونين وثلاثمئة ألف جنيه مصري، بالإضافة لعقد عمل جديد كمديرة للتطوير والتدريب اللغوي في الفرع الرئيسي الجديد للشركة في دبي براتب شهري خيالي!»

جلست سارة على الكرسي الخشبي في غرفة الملابس، والدموع تحبس نفسها في عينيها.

 

الأيام الصعبة، الساعات الطويلة تحت شمس الصيف في انتظارات المواصلات، ليالي السهر الحاضنة للمعاجم والأوراق المجانية حتى الفجر وهمس الخوف من الإفلاس والإيجار… كل ذلك كان يتمخض في هذه اللحظة عن فرج الله العظيم!

العقد في يدها لم يكن مجرد ورقة مالية بمليونين وثلاثمئة ألف جنيه، بل كان شهادة ميلاد جديدة لكرامتها ومستقبلها الذي حاولت الأيام أن تطحنه.

خرجت سارة من باب العمال الجانبي للمطعم.

كان الهواء العليل لليل الزمالك يلف وجهها. كانت تمشي بثبات، ممسكة بشنطتها التي تحتضن العقد الثمين.

وفجأة… سمعت خطوات سريعة تهرول خلفها!

— «آنسة سارة! لو سمحتِ… آنسة سارة!»

التفتت سارة لتجد طارق منصور ومعه المستثمر السويسرى “فولكر”.

كان طارق يبدو منهكاً، وقد تلاشت كل مظاهر الهيبة المزيفة عنه. وجهه يعرق رغم برودة الجو، وعيناه تفيضان بالرجاء والاضطراب.

وقف أمامها وقال بنبرة ملؤها التوسل:

— «آنسة سارة… أنا أعتذر. أنا أعتذر بشكل رسمي وأمام الجميع عن كل كلمة قيلت. أنا لم أكن أعلم…»

قطعت سارة كلامه ببرود وهي ترفع يدها:

— «لم تكن تعلم أنني أفهم لغتك؟ أم لم تكن تعلم أن الجرسونة التي تخدمك تملك عقلاً وفهماً أكبر من غرورك؟ لو كنتُ لا أفهم الألمانيّة يا سيد طارق، هل كنت ستعتذر؟ أم كنت ستستمر في إهانة كل إنسان بسيط يعرق ليؤمن قوته؟»

صمت طارق ولم يجد جواباً.

تدخل المستثمر السويسري “فولكر” وقال بجدية واحترام بالغ لسارة:

 

— «آنسة سارة… أنا أُلغي الشراكة مع شركة السيد طارق ابتداءً من هذه اللحظة، لأنني لا أعمل مع رجل لا يحترم عقول الناس. وأنا هنا لأعرض عليكِ وظيفة مستشارة لغوية وإدارية في شركتنا في زيورخ، بالراتب الذي تطلبينه!»

ابتسمت سارة للمستثمر السويسري وقالت بالألمانية الفصيحة:

‏— «Danke schön, Herr Volker… (شكراً جزيلاً يا سيد فولكر)… أحترم عرضك جداً، ولكنني بالفعل وقّعتُ عقداً جديداً منذ دقائق، وأنا في طريقي لبداية جديدة أصنعها بعرقي وجهدي، لا بصدقة من أحد.»

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *