مليونير المغرور

الصمت المطبق في القاعة كان يسمع فيه دقات القلوب. طارق وقف مذهول، بصّ لمريم كأنها كائن جاي من عالم تاني. البنت اللي كان بيتريق عليها قبل دقايق، اللي قال إنها ما تقدرش ترسم غير بالمساحة والجردل.. هي نفسها الفنانة اللي كان كل ناقدي الفن بيتمنوا يلقوا لها أثر!
مريم عيونها ملأت دموع كنت مستنية الرد منكم كتير.. لحد ما أمي مرضت، وبعتت لكم رسايل كتير وما جاش رد. فكرت إن لوحتي ما عجبتكمش، وإنني مش شاطرة كفاية.
. فقررت أسيب الرسم خلاص، وأشتغل عشان أقدر أعالج أمي وأخواتي.
فريدة قربت منها ومسكت إيدها بكل دفء عذريني يا بنتي.. والله ما كنا نعرف ظروفك. لو كنا عرفنا، ما كنا سبناكِ لحظة واحدة. اللوحة بتاعتك كانت محفوظة عندي في البيت، كل شوية ببصّلها وأتساءل فين صاحبتها.
طارق كان واقف زي الصنم، وشه أصفر من الرعب والذهول. الكرسي الفاضي اللي مريم رسمته جنبه.. هو ده اللي كان صدمته الحقيقية. بصّ للوحة تاني، وبصّ للكرسي الحقيقي اللي جنبه، ودموعه بدأت تنزل غصب عنه.
مين كان قاعد هنا؟ سألت فريدة بصوت هادئ لكنه حازم، لاحظت تغير ملامح طارق.
طارق سكت فترة طويلة، وكل كلمة كانت بتطلع منه بتقل جبال ده.. ده كان كرسي زوجتي.
الكل اتأثر. حد ما كان يعرف إن طارق بيه متزوج قبل كده.
هو كان دايماً يقول إنه مش بيؤمن بالزواج، وإن الارتباط قيود بتقيد الحرية.
كانت اسمها سلوى.. كمل طارق بصوت مهزوز اتجوزنا من ١٢ سنة.. كانت رسامة موهوبة زيكِ يا مريم.. كانت بترسم كل حاجة حوليّ، وكنت دايماً أقول لها إن فنها مش هيعيش، وإنها لازم تسيب الرسم وتشتغل معايا في الشغلانة عشان نكبر مع بعض. كنت أناني.. كنت شايف إن الفن حاجة تافهة ما لهاش قيمة قدام الفلوس والصفقات. في يوم من الأيام، قالت لي إنها حامل.. وإنها عايزة تربّي طفلنا معاها في عالم مليان بالفن والجمال. أنا.. أنا ضحكت عليها وقولت لها إنها بتحلم بأوهام، وإن الطفل ده هيأخرنا عن أهدافنا. يومها اتخانقنا جامد.. وخرجت من البيت وهي تعيط، وقالت لي عارف يا طارق؟ أنت غني بكل حاجة، بس فقير في كل حاجة حقيقية. ولم ترجع أبداً.. حصلها حادث سيارة وهي راجعة من بيت أهلها.. وماتت هي والطفل اللي كان في بطنها.
سكت، ودموعه نزلت بغزارة من يومها، كل يوم باجي أقعد على الكرسي ده.. وأتكلم معاها.. وأعتذر لها.. وأقول لها إني ندمت.. إني آسف.. إني بحبها. وما حدش كان يعرف بالسر ده غيري.. حتى أقرب الناس ليا ما يعرفوش إن كنت متزوج أصلاً.