كنت بخدم

— أيوه.
— يعني… إنتِ فهمتي اللي أنا قلته؟
سارة ثبتت عينيها في عينه وقالت:
— كل كلمة.
لون وش طارق اختفى.
لكن اللي سارة هتقوله بعد كده…
كان هيحوّل غروره لإحراج عمره ما نسيه.
لأنها كانت لسه هتفتح شنطتها…
وتطلع منها ورقة هتخليه يفهم إن الجرسونة اللي كان بيتريق عليها، كانت في الحقيقة داخلة المطعم وهي معاها عقد بمليونين جنيه باسمها.
حكايات بسمة
انعقد اللسان في فم طارق منصور، وانحبست الكلمات في حلقه كأنه أُلقي عليه حجر من سجيل. اختفت تلك الابتسامة الساخرة المتكبرة التي كانت تكلل وجهه، وتحولت ملامحه الواثقة إلى قناع من الذهول المطلق. الشوكة التي كانت في يده سقطت ورُسمت على الطاولة يرن صداها في أرجاء المكان الهدوء.
الرجُلان اللذان كانا يجلسان معه على الطاولة تبادلا النظرات الحائرة، لا يفهمان تماماً ما الذي جرى، لكنهما أدراكا من ملامح طارق المتيبسة أن الجرسونة البسيطة قد ألقت كلمة فكّت بها طلاسم غروره.
أخذت سارة نفساً عميقاً. لم تكن نبرتها حادة، ولم ترفع صوتها لتصنع جلبة في المطعم الفاخر، بل كان صوتها رزيناً، قاطعاً كالسيف، وباللغة الألمانيّة ذاتها:
— «Herr Tariq… (سيد طارق)… الطموح لا يُقاس بالبدل الإيطالية الفاخرة التي ترتديها، ولا بالمال الذي تطرحه على الطاولات لتبتاع به كبرياء الآخرين. الطموح هو أن تقف على قدميك بعد كل سقوط، وأن تتعلم وتكافح في الظلمة دون أن ينتظر منك أحد شق طريقك. أنت ترى المريلة البيضاء، ولكنك لا ترى العقل الذي يرتديها.»
تراجع طارق إلى الخلف في كرسيه، وابتلع ريقه بصعوبة. لم يكن خجلاً من مجرد أنه أُهين، بل كان مصدوماً من طلاقة لغتها، ومن مخارج ألفاظها النظيفة التي تشبه لغة المترجمين الدبلوماسيين في المؤتمرات الدولية.
رد بصوت مضطرب ومقطوع:
— «أنتِ… كيف تتحدثين الألمانيّة بهذه الدقة؟ من تكونين؟»
ابتسمت سارة ابتسامة هادئة، وخاطبته بالفرنسية هذه المرة:
— «Je suis سارة محمود… (أنا سارة محمود)… الجرسونة التي ظننت أن أقصى طموحها هو جمع الإكراميات في نهاية الشيفت.»
ثم التفتت إلى الرجل الأجنبي الذي كان يجلس إلى جوار طارق على الطاولة—وكان مستثمراً سويسرياً جاء بدعوة من طارق لإبرام صفقة الشراكة العقارية—وخاطبته بالإيطالية ثم السويسرية الألمانيّة الأنيقة: