لم يحظر عريس
لكن رغم كل ذلك لم يفقد وعيه فورًا.
كان هناك شيءٌ واحد يشدّه إلى الحياة.
ياسمين.
تلك التي كانت تنتظره بفستانها الأبيض، بقلبٍ مليء بالأمل، بعشر سنواتٍ من الحب الذي لم يعرف يومًا التردد. تلك التي ربما كانت في تلك اللحظة تبكي، تظن أنه تخلّى عنها، أنه اختار الهرب بدل الوفاء.
حين وصل إلى المستشفى، كانت حالته حرجة. الأطباء تحرّكوا بسرعة، الممرضات ركضن، الأجهزة بدأت تصدر أصواتها المنتظمة، والوقت أصبح مسألة حياةٍ أو مۏت.
ومع ذلك، وبين كل ذلك الألم، وبين محاولات إنقاذه، كان طلبه الأول بسيطًا
بشكلٍ يكاد يكون
لم يحضر العريس
مستحيل التصديق
هاتفي أريد هاتفي
لم يكن يبحث عن نفسه.
كان يبحث عنها.
وحين اتصلوا، وحين ظهر وجهه على تلك الشاشة العملاقة، لم يكن مجرد عريسٍ غائبٍ يعتذر. كان إنسانًا يقف بين الحياة والمۏت، لكنه لا يريد أن يترك خلفه قلبًا مكسورًا يعتقد أنه خُذل.
يا حبيبتي قال بصوتٍ بالكاد يُسمع، بينما كانت أنفاسه تتقطع، لا أريدك أن تظني أنني تركتكِ لقد تزوّجتكِ في قلبي قبل أن أصل إلى هنا
لم تكن تلك كلماتٍ عابرة.
كانت وعدًا في لحظةٍ قد تكون الأخيرة.
في الحديقة، لم تعد ياسمين تلك العروس التي تنتظر، بل أصبحت امرأةً ترى الحقيقة كاملة. الرجل الذي ظنّه الجميع جبانًا، كان يقاتل من أجل حياة آخرين. الرجل الذي قيل عنه
هارب، كان في الواقع يهرب من الڼار لا من الحب.
صړخت، بكت، ترجّت
ديف! قاوم! أرجوك، لا تتركني!
وضعت يديها على الشاشة، كأنها تحاول عبور المسافة، كأنها تريد أن تلمسه، أن تعيده، أن تمنحه شيئًا من القوة التي كانت تتفتت أمام عينيها.
نظر إليها للمرة الأخيرة.
ابتسم.
ابتسامةٌ لا تُنسى.
سأنتظركِ همس، وما
زلتِ ترتدين فستانكِ أليس كذلك؟
ثم أغمض عينيه.
وانطفأت الشاشة.
في تلك اللحظة، لم يكن هناك صوت.
لا همسات.
لا اټهامات.
لا سخرية.
فقط صمت.
صمتٌ ثقيل، مليء بالندم، بالدهشة، بالخجل من كل كلمةٍ قيلت قبل دقائق.
الضيوف الذين حكموا عليه، الذين وصفوه بالهارب، وقفوا الآن عاجزين، ينظرون إلى ياسمين، التي لم تعد
تبكي فقط على زفافٍ لم يكتمل، بل على رجلٍ قد يكون ضحّى بحياته دون أن يودّعها كما يجب.
لكنهم لم يغادروا.
لم يستطع أحد أن يغادر.
اقتربوا منها، واحدًا تلو الآخر. حتى أولئك الذين كانوا يسخرون، خفّضوا رؤوسهم، واقتربوا، وبدأوا يصلّون. تحوّل المكان، في لحظات، من مسرحٍ للفرح إلى مساحةٍ للرجاء.
