لم يحظر عريس
الزهور البيضاء التي زُيّنت بها الحديقة لم تعد مجرد زينة، بل أصبحت شاهدًا على انتظارٍ مؤلم، وعلى أملٍ يتشبث بالحياة رغم كل شيء.
مرت الساعات.
كل دقيقة كانت تبدو كأنها ساعة.
كل ثانية كانت تحمل خوفًا لا يُحتمل.
حتى خرج الطبيب أخيرًا، بعد عشر ساعاتٍ من الجراحة.
توقفت القلوب.
ثم قال الطبيب، بصوتٍ حاول أن يُبقيه ثابتًا
رغم التعب الطويل
لقد نجا.
لم تكن تلك الكلمات مجرد خبرٍ طبي يُقال بعد جراحةٍ ناجحة.
كانت أشبه بعودة الروح إلى مكانٍ كاد أن يفرغ منها.
كانت وعدًا لم ينكسر رغم اقترابه من الهاوية.
وكانت حبًا، صمد في وجه الڼار، وفي وجه الخۏف، وفي وجه كل الاحتمالات القاسېة ثم انتصر.
في تلك اللحظة، لم تتمالك ياسمين نفسها.
اڼهارت على المقعد القريب، ووضعت يديها على وجهها، لا لتخفي دموعها، بل لتتأكد أن ما تسمعه حقيقي.
لم تعد تسمع ضجيج المكان، ولا همسات الناس، ولا حتى صوت الطبيب وهو يشرح تفاصيل العملية.
كان كل ما يدور في رأسها جملة واحدة فقط
هو حي هو لم يتركني
اقترب منها بعض الضيوف، أولئك الذين كانوا قبل ساعاتٍ قليلة
يتحدثون عنها بشفقةٍ ممزوجة بالفضول،
لم يحضر العريس
وبنبرةٍ قاسېة لا تخلو من الحكم.
لكن وجوههم الآن كانت مختلفة.
في أعينهم خجل، وفي صمتهم اعتراف، وفي اقترابهم محاولة متأخرة لمحو كلماتٍ قيلت بلا فهم.
إحدى العرّابات التي كانت قد همست قبل قليل عريس هارب، أمسكت يد ياسمين برفق، وقالت بصوتٍ مرتجف
سامحينا لم نكن نعلم
لكن ياسمين لم ترد.
لم تكن غاضبة.
كانت فقط ممتلئة بشيءٍ أكبر من الڠضب.
شيء يشبه الامتنان، ممزوجًا بخوفٍ لم ينتهِ بعد، وأملٍ بدأ ينبت من جديد.
مرّت الأيام ببطءٍ شديد.
في المستشفى، كانت كل ساعةٍ تمرّ كأنها اختبارٌ جديد.
ديف لم يستفق فورًا.
كانت هناك أجهزة، وأنابيب، وأصواتٌ متقطعة تملأ الغرفة.
وكانت ياسمين هناك، كل يوم، تجلس إلى جانبه، تمسك يده بحذر، وكأنها تخشى أن يختفي إن أفلتتها.
كانت تتحدث إليه، رغم صمته.
تخبره عن تفاصيل يومها، عن الضيوف الذين بقوا، عن الزهور التي لم تُزال، عن الفستان الذي احتفظت به كما هو.
كانت تقول له أشياء صغيرة، لكنها في حقيقتها كانت تقول شيئًا واحدًا
أنا هنا لم
أرحل كما لم ترحل أنت.
وفي إحدى الليالي، بينما كانت تجلس قربه، شعرت بحركةٍ خفيفة في يده.
