اختفت شقيقتان

حكايات مالك السفير

لا من أجل إنقاذهما.

بل من أجل المراقبة.

لم تكن الممرات العميقة مجهولة تماما. كانت هناك مسالك معروفة ومناطق آمنة وأخرى لا يجرؤ أحد على عبورها. في الأسفل لا يسير الزمن بصورة ثابتة. تتوقف الساعات. يخفت الصوت حتى يتلاشى. يؤثر الضغط في الإدراك. ويبدأ شيء آخريصعب قياسهبالتأثير في من يمكثون طويلا.

وصفت السجلات القديمة ذلك بلغة غير دقيقة أقرب إلى المجاز تحدثت عن تكيف. عن محاولة الجسد البشري حين يواجه ظروفا مستحيلة أن يعيد تشكيل نفسه. ولم تكن الإفرازات المعدنيةالعضوية آلية دفاع بل استجابة تستحث. تحولا بطيئا تدريجيا لا رجعة فيه.

وبحسب ما أمكن استنتاجه بقيت فالنتينا ولويس أياما تحت الأرض. بدا ذلك من الوضعيات ومن آثار في الأنسجة. ولم يكن ما جرى نتيجة جوع أو اختناق. بل حدثت النهاية حين بلغ التحول نقطة لا يمكن تجاوزها.

انتظر الأمناء حتى تصلبت المادة جزئيا. إخراجهما قبل ذلك لا يجدي. وبعد ذلك يصبح الأمر مستحيلا.

لم تكن عملية رفع الهيئتين إلى القمة سهلة. احتاجت إلى تخطيط ومعدات ومعرفة دقيقة بكيفية تفاعل المادة مع الضوء والهواء والحرارة. كانوا يعلمون أنه

 

مع الفجر يكتمل التحول وأنهما ستبدوان كمنحوتتين ساكنتين.

لكنهم لم يتوقعوا الأثر الذي سيحدثه ذلك.

لم تختف القصة كما اختفت غيرها. بل تمددت. جذبت صحفيين وباحثين ومحللين. أغلقت المنطقة لكن ذلك زاد الشك. وكل محاولة لتفسير ما حدث كانت تخلق أسئلة جديدة.

داخل المجموعة نفسها ظهرت انقسامات. رأى بعضهم أنهم تجاوزوا الحد. وأنهم حين كسروا عهد الخفاء أيقظوا شيئا لن يعود كما كان. ورأى آخرون أنه لا بديل. وأن العالم الحديث لا يفهم إلا أثرا واضحا.

وفي هذه الأثناء بدأ شيء ما يتغير تحت الجبل.

سجلت أجهزة مراقبة وضعت منذ عقود اهتزازات دقيقة متواصلة. ليست انهيارات ولا حركة جيولوجية مألوفة. بل نبضات إيقاعية. كأن المكان يعيد ضبط نفسه أو يرد.

وفي الأشهر التالية تاه ثلاثة متنزهين على مسارات معلمة جيدا. عثر عليهم أحياء لكن لم يستطع أي منهم تفسير كيف وصل إلى مناطق بعيدة عن مساره الأصلي. وشاركوا جميعا تفصيلا مقلقا تيبس عضلي مؤقت وأحلام متكررة عن ممرات ضيقة وجدران منحنية.

عندها فهم الأمناء أن ما حدث لم يكن إغلاقا.

بل كان استجابة.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *