اختفت شقيقتان
حكايات مالك السفير
لم يعد المكان يكتفي بالانكماش في صمت. كان يتعلم كيف يتصل بالسطح. كيف يترك أثرا. كيف يحذر بذاته.
وإذا صح ذلك فإن إظهار الهيئتين لم يحم السر.
بل فعله.
ثم تتابعت الإشارات. وجاءت أولى العلامات في صورة إجراء إداري جاف مذكرة داخلية من جهة رسمية بتاريخ قريب من الاكتشاف تفيد بإعادة تفعيل دراسات جيولوجية روتينية في منطقة روبينسفيل. لم يكن الأمر قرارا محليا. كان قادما من مستوى أعلى بكثير. ومن النوع الذي لا يطلب إذنا من بلدات صغيرة ولا يصغي لتحذيرات تقال همسا.
بالنسبة لالأمناء كان ذلك أخطر من أي عنوان صحفي. إذ يعني أن السر خرج من نطاق السيطرة البشرية.
ظل التوازن قائما أكثر من قرن لأن المكان كان معزولا إداريا كما هو معزول طبيعيا. لم يكن أحد مهم يهتم به. ولم يكن هناك من يملك الموارد للنزول والإنارة والحفر. تغير هذا في اللحظة التي وضعت فيها الهيئتان تحت الضوء.
صار ما حدث أشبه بمنارة.
بدأت فرق تقنية تصل بسرعة مقلقة شاحنات بلا شعارات وأجهزة قياس زلزالي ومركبات لا تتبع جامعات ولا جهات بيئية معروفة. تراكمت طلبات الوصول. ومع كل رفض من المقاطعة زادت الضغوط.
حاول الأمناء تفعيل قنوات الاحتواء القديمة اتصالات غير علنية تحذيرات مواربة تلميحات إلى حوادث سابقة. لكن ذلك لم يعد ينفع. جاءت الردود مهذبة وحازمة ومتشككة. وفي لغة الإدارة الحديثة لا مكان لمفاهيم مثل عهود وصمت وتوازنات غير مكتوبة.
هناك شيء واحد يصغي إليه الجميع البيانات.
لكن البيانات بدأت تتصرف على نحو غريب.
رصدت
الدراسات الأولية شذوذات حرارية تحت مناطق لا نشاط بركانيا فيها. وقراءات ضغط متناقضة. وفراغات تظهر ثم تختفي بين قياس وآخر كأن باطن الأرض يعيد ترتيب نفسه. وصف أحد المختصين الظاهرة بأنها نظام يرفض أن يرسم له مخطط.
ولم ينشر التقرير.
وفي الوقت نفسه انتشرت روايات غير رسمية بين سكان البلدة. تحدث البعض عن أصوات ليلية عميقة منتظمة لا يمكن نسبتها لآلات أو حيوانات. وتحدث آخرون عن اهتزازات خفيفة لا تحس إلا عند لمس بعض الصخور كنبض خافت.
عرف الأمناء معنى ذلك. كانت السجلات القديمة تذكره مبهما حين يستفز المكان بصورة مستمرة لا ينهار بل يتسع. لا يغلق بل يبحث عن مخارج أخرى.
والسطح ممتلئ بالشقوق.
حدثت أولى الحوادث غير المصرح بها أواخر نوفمبرتشرين الثاني. دخل فريق من ثلاثة أشخاصقدموا أنفسهم بوصفهم مستشارينليلا عبر منطقة مسيجة. لم يكسروا حواجز ولم يتركوا آثارا واضحة. اختفوا ست ساعات. ثم عادوا تائهين مغطين بغبار أصفر ناعم عاجزين عن تذكر أين كانوا بدقة.


