ست دي ملهاش لزمه

حكايات مالك السفير

 

بصيت لها وقلت:

 

“فكرتك بنفسك زمان؟”

 

هزت راسها.

 

“فكرتني بالست اللي كنتها.”

 

وساعتها فهمت إن ناتاليا لقت رسالتها الحقيقية في الحياة.

 

يوم تخرجها، أنا وأهلها قعدنا في أول صف.

 

وأول ما اسمها اتقال في الميكروفون، كنت أول واحدة وقفت أصفق، ودموعي نازلة.

 

البنت الضعيفة المكسورة اللي لقيتها بتاكل حبوب الذرة الناشفة جوه قن الفراخ…

 

بقت النهارده ممرضة متخرجة ومرخصة.

 

وفي الليلة دي، رفعنا كوباياتنا احتفالًا بيها.

 

قلت لها:

 

“لناتاليا… لأن نجاتك من السجن ده ماكانتـش نهاية قصتك.”

 

وبصيت لها بفخر.

 

“دي كانت بداية حياتك الحقيقية.”

 

رفعت كوبايتها وقالت:

 

“ولمدام هنرييتا… لأنها اختارت تعمل الصح، رغم إن القرار كسر قلبها كأم.”

 

ماعرفتش أرد.

 

حضنتها بس.

 

خلال الشهور اللي بعدها، كنا بنسمع أخبار قليلة عن برودي.

 

في البداية كان بيبعت جواب ورا التاني، كله أعذار واتهامات.

 

لكن بعد ما دخل برنامج لعلاج الغضب في السجن، وصلنا جواب مختلف تمامًا.

 

كتب:

 

“ماما، أنا مش هبعت الجواب ده عشان أقدم أعذار أو أقول إن ناتاليا استفزتني.”

 

“أنا عملت حاجات بشعة ومفيش أي مبرر ليها.”

 

“دلوقتي وأنا ورا القضبان، بدأت أفهم لأول مرة معنى إن الإنسان يعيش وهو حاسس إنه محبوس وخايف.”

 

“أنا مش بطلب منك تتدخلي عشان أخرج بدري، ومش بطلب منك تسامحيني.”

 

“أنا بس حبيت أكتب الحقيقة لأول مرة في حياتي.”

 

أخدت الجواب لناتاليا.

 

وقلت:

 

“تحبي تقري اللي كتبه؟”

 

هزت راسها بابتسامة هادية.

 

“لأ.”

 

بصيت لها.

 

قالت:

 

“أنا مش محتاجة إنه يفهم حجم الضرر اللي عمله عشان أكمل حياتي.”

 

الجملة دي علمتني درس أكبر من كل جلسات العلاج اللي حضرتها.

 

أنا قريت جواب برودي كذا مرة.

 

وماعرفتش هو فعلًا بدأ يتغير، ولا هو بس بدأ يفهم حجم الحكم اللي اتحكم عليه.

 

لكن في النهاية فهمت حاجة مهمة:

 

إصلاح حياته مسؤوليته هو.

 

ونـاتاليا مش مجبرة تمشي معاه في الرحلة دي.

 

وأنا كمان مش مسؤولة أنقذه من الخراب اللي هو صنعه بإيده.

 

بعد سنة من رجوعي المفاجئ من إسبانيا، المزرعة بقت مكان مختلف تمامًا.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *