بنتي مربوطه على سرير
حكايات مالك السفير

نور أخذت يدها بكل دفء، وأشارت للوحة المعلقة
الخوف طبيعي.. بس ما تخلّيه يقرر مصيرك. كل خطوة صغيرة نحو الحقيقة بتخلّيكِ أقوى. أنا معاكِ
من ذلك اليوم، صار المكتب لا يقتصر على القضايا الفردية.. بل أصبح منبرًا يُعلّم الوعي الحقوقي، ويُؤمّن الحماية للشهود، ويُدرب الفتيات على كيفية حماية أنفسهن وحقوقهن.
مرّت السنين.. كبرت، وشعري أبيض تمامًا، لكن عيناي ما بطلتا تشوفان نور كالطفلة اللي كانت تجري نحوي وهي تحمل الميدالية بكل فخر. وفي ليلة شتاء دافئة، كنا جالسين على الشرفة ننظر للقاهرة اللي امتلأت أنوارها، مسكت نور يدي وقالت لي
أمي.. لو رجع الزمن لورا، كنتِ تعملي نفس الحاجة؟
ابتسمت وضغطت على كفّها
ألف مرة.. وألف مرة تانية. لأنكِ كرامتي.. وكرامتك أغلى من أي حاجة في الدنيا. وما كانش يهمني شيء غيركِ.. غير إنكِ تفضي واقفة بقدميكِ عالية
دمعت عيناها وقبلت جبيني
وأنا كنت مستعدة أموت عشان ما أخسركِ.. وعشان ما أخسر الحقيقة
عشان كده نجينا يا حبيبتي.. لأننا ما خنّا بعض.. وما خنّا الحق
في العام التالي، تم تأسيس مؤسسة تحمل اسم الميدالية.. تُعنى بدعم النساء المعنفات وتمكينهن قانونيًا واجتماعيًا. وفي
حفل الافتتاح الكبير، وقفت نور أمام الحضور الكثيف، وأشارت لي بالوقوف بجانبها على المنصة
اللي وقفت جنبي في أحلك ليالي حياتي ما كانتش سلطة ولا نفوذ.. كانت أم رأت فيّ ما يستاهل العيش من أجله. وكل ما وصلت له اليوم مش بذكائي ولا بجهدي وحدي.. ده بدمعها اللي سقتني، وبصبرها اللي حميني، وبشجاعتها اللي علمتني إن ما فيش قوة في الدنيا تقدر تكسر إنسان متمسك بحقه
تصفيق حار ملأ المكان، وبينما كانت الكلمات تتردد في أذني، شعرت بيدها تمسك يدي خلف الكواليس وتضغط عليها بنفس الإشارة القديمة ضغطة.. ضغطتين.. ضغطة طويلة. ابتسمت في سرّي وعانقتها.. الرسالة وصلت، والسر ما عاد سرًا، بل صار نورًا يضيء دروب كل من يجرؤ على قول الحق.
واليوم.. حين يمرّ الناس أمام مقر المؤسسة، يرون تمثالًا صغيرًا منقوشًا بدقة أم تمسك بيد ابنتها، وفي يد الفتاة ميدالية صغيرة مرفوعة عاليًا نحو السماء.. ولا يحتاج أحد لسؤال عن القصة، لأن كل من
مرّ بضيق وعرف طعم النصرة يعرف المعنى
الحق لا يموت.. وإن طال اختفاؤه.. سيعود أقوى مما كان.
