عرفت حماتي نتقلت لصعيد

مش لأنني غبية.
لكن لأنني كنت طول الوقت بافترض إن أحمد هو اللي بيهتم بالحاجات الإدارية دي.
وكنت بسيبه يتصرف.
بعد يومين، كنت في المطار.
شنطتي جنب رجلي.
ملف المشروع في إيدي.
وبدلة السفر معلقة في حقيبة صغيرة.
كنت على وشك أركب الطائرة لما شفت أحمد واقف بعيد.
اتجمدت مكاني.
هو قرب.
قال
كنت عايز أودعك.
شكرًا.
سكت.
بعدين قال
مريم… أنا عرفت حاجة.
إيه؟
إن قرار نقلك مش زي ما أمي كانت بتقول.
بصيت له.
تقصد؟
قال
عرفت إنك مش رايحة علشان تهربي مننا. إنتِ رايحة علشان شغلك.
قلت
ده كان واضح من البداية.
نزل عينيه.
أنا عارف.
وبعدين قال جملة ما كنتش متوقعة أسمعها منه
أنا ظلمتك.
ما رديتش.
لأنه لأول مرة، ما كانش عندي احتياج أسمع اعتذاره.
كان الاعتذار متأخرًا جدًا.
رفع عينه وقال
أنا ما كنتش فاهم إنتِ قد إيه كنتِ بتتنازلي.
قلت
وأنا ما كنتش فاهمة إنك كنت مرتاح لتنازلاتي.
سكت.
نادى المطار أعلن عن الرحلة.
قلت
لازم أمشي.
قال
أتمنى تنجحي.
ابتسمت.
أنا هنجح.
ومشيت.
بعد ساعات، وصلت لموقع المشروع.
كان مختلفًا عن كل اللي تخيلته.
الجو صحراوي، واسع، والسماء بالليل كانت مليانة نجوم بشكل ما شفتوش قبل كده.
في أول ليلة، وقفت قدام مبنى السكن.
كانت شقتي صغيرة، لكنها جديدة ونظيفة، وفيها مكتب كبير وشباك بيطل على الصحراء.
حطيت شنطتي.
فتحت الشباك.
الهواء دخل.
وفجأة، حسيت إنني بدأت حياة جديدة فعلًا.
مش حياة هروب.
حياة اختيار.
04
مرت الشهور الأولى بسرعة.
المشروع كان أصعب مما توقعت.
كان فيه مشاكل تقنية، ضغط، اجتماعات طويلة، وتجارب فاشلة.
لكن كل مرة كنت أقع في مشكلة، كنت أفتكر نفسي قبل شهور.
الست اللي كانت واقفة في الصالة قدام حماتها، وبتطلب من جوزها بس إنه يقول كلمة واحدة في صفها.
وأضحك.
لأنني دلوقتي ما بقيتش مستنية حد يقول إن قراري صح.
أنا عارفة.
بعد ست شهور، حصلت أول نتيجة كبيرة.
النظام التجريبي اشتغل بكفاءة أعلى من المتوقع.
مدير المشروع دخل المعمل وهو بيضحك
مريم! نجحنا!
الكل صفق.
وأنا وقفت مكاني.
ما صرختش.
ما بكيتش.
بس ابتسمت.
افتكرت كل الليالي اللي سهرتها.
افتكرت كل مرة رجعت البيت تعبانة، ولقيت نفسها مطالبة أبرر ليه شغلي مهم.
افتكرت جملة أحمد
هو لازم تروحي؟
وجملة نادية
الشغل مش هيعمل لك بيت.
وأخيرًا فهمت إن البيت مش مكان بس.
البيت هو المكان اللي الإنسان يحس فيه إنه مش مضطر يصغر نفسه علشان غيره يرتاح.

